ابو القاسم عبد الكريم القشيري
581
لطائف الإشارات
ويقال للجنابة سراية ؛ فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم يمض حكم السراية . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 66 إلى 67 ] قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) ذكر هذا من باب إملاء العذر ، وإلزام الحجة ، والقطع بألا ينفع - الآن - الجزع ولا يسمع العذر ؛ والملوك إذا أبرموا حكما ، فالاستغاثة غير مؤثّرة في الحاصل منهم ، قال قائلهم : إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد * إليه بوجه - آخر الدهر - تقبل قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 68 ] أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) يعنى أنهم لو أنعموا النظر ، وسلطوا على أحوالهم صائب الفكر لاستبصروا في الحال ، ولا نتفى عن قلوبهم الاستعجام والإشكال ، ولكنهم استوطنوا مركب الكسل ، وعرّجوا في أوطان التغافل ، فتعودوا الجهل ، وأيسوا من الاستبصار . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 69 ] أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) ذهلوا عن التحقيق فتطوّحوا في أودية المغاليط ، وترجّمت بهم الظنون الخاطئة ، وملكتهم كواذب التقديرات « 1 » ، فأخبر اللّه ( الرسول ) « 2 » عن أحوالهم ؛ فمرة قابلوه بالتكذيب ، ومرة رموه بالسّحر ، ومرة عابوه بتعاطيه أفعال العادة بما عليه الناس من المآكل والمشارب ، ومرة قدحوا فيه بما هو فيه من الفقر وقلّة ذات اليد . . . فأخبر اللّه عن تشتّت أحوالهم ، وتقسّم أفكارهم
--> ( 1 ) هكذا في م أما في ص فهي ( التقدير ) ونحن نرجه الأولى حتى يقتصر إطلاق ( التقدير ) بالمفرد على الفعل الإلهى أما هنا فهي ( التقديرات الإنسانية ) أي الظنون . ( 2 ) السياق يتطلب وجود كلمة ( الرسول ) وهي غير موجودة في التسخين فوضعناها من عندنا لينسجم الأسلوب .